Yeniyemen
yemenden her şey

الجزار الموظف!

يني يمن – هشام المهدي

59

يعود عبد الجبار إلى المنزل في الرابعة مساء، بعد أن يكون قد أغلق باب دكانه وأعطى العامل الشاب أجرته اليومية، وطريق عبد الجبار إلى المنزل يمر بالسوق الذي يستعد لليل، تجمع بائعة “اللحوح” أغراضها وتجر خلفها أملا بأن يلحق بها أحدهم، فقراء الحي يتجمعون حول بائع الخضار للحصول على تلك التالفة منها بثمن بخس، يحصل الفقراء على حصة جيدة حين تكتفي المطاعم، يحدث عبد الجبار زوجته عن عمال المطاعم الذين سربوا له أخبار الخضروات الفاسدة، ولكنه لا يفعل شيئا، لا شيء على الإطلاق.

وأما حين يصل عبد الجبار إلى المنزل فإنه يتجه مباشرة إلى الماطور (المولد الكهربائي) الذي ورثه عن أخيه الأعزب ويبتسم ابتسامة عريضة وهو يشاهد الضوء يتخلل عروق منزله الشعبي، وحين لا تستقبله زوجته أمام الباب فإنه يناديها باسمها باحثا فيه عن شيء ما لا يجده أبدا، إذ أنها -وفي كل مرة تظهر فيها- تبقى محدقة في عينيه منتظرة أمرا ما تائها في صدره، ولكنه لا يجده، وقد كان لوقع اسمها -مريم- صدى يشبهها، كان عبدالجبار يقول دائما أن اسمها يشبهها، حتى حين لا يقدم تفسيرا لافتراض كهذا.

يجلس عبد الجبار على الأرض، ينشر أغصان القات التي اشتراها في الظهيرة من المقوت (بائع القات) الذي يبيعه أمام دكانه، ويغني، لعلي عنبة أو للكبسي، لأبوبكر سالم أو لفيصل علوي، وحين تأتي زوجته لتقدم له الغداء فإنه يخلع معطفه ويراقب الطعام يفترش الجرائد التي لم يقرأها يوما، باستثناء تلك المرات القليلة التي ظهرت فيها صور لشخصيات يعرفها، كأوباما أو كيم جونغ.

إلا أن عبد الجبار هذه المرة لم يقف حائرا حين انتظرت زوجته أمرا منه، وهو كذلك لم يراقب الطعام يفترش الجرائد، بل إنه لم ينشر أغصان القات على الشال المخصص لغسله، ولم يدندن أي لحن، ومريم التي كانت تدرك تماماً أن رجلاً لا يجذبه الطعام هو رجل لم يعد يرغب في الحياة، لم تكن لتدرك أو لتحزر أبدا أن زوجها كان أشد إصرارا على الحياة حينها من أي وقت مضى، بل أشد إصرارا على الحياة من لحظاتهما في السرير أو تلك التي يشاهد فيها نشرة أخبار التاسعة.

ولأنها تحبه، فقد قررت أنه -ربما- لا يجب أن يكون هنالك غداء اليوم، لم تكن تلك المرة الأولى التي يجلس فيها عبد الجبار وكأن الموت جالس بين يديه، رجل مثله يرتدي همه تحت ملابسه الداخلية.

جلس عبد الجبار في مجزرته منتظرا أن يكرر البارحة نفسه، وقد لاحظ العامل أن الرجل الذي يجلس واضعا ساقا على الأخرى ممزقا شفتيه بأظافره لم يكن يشبه ذلك الذي يعرفه، ولحسن حظ العامل الشاب، فإن اقتناع الناس هذه الأيام بأن الدجاج قد تبيض أحجارا سوداء كريمة إذا ما تم الاعتناء بها وذبحها في السادسة مساء جعل من العمل خفيفا عليه في لحظات شرود صاحبه، إلا أن عبد الجبار انتفض فجأة حين دخل زبون ما المحل، وأمر عامله بأن يختار له أجود أنواع لحم الضأن، بل ويزيل الدهون منها، ولأن العامل كان واثقا من جدية سيده -إذ عادة ما يقول كلاما كهذا ليغسل عقول زبائنه- فإنه قام بكل ما طلب منه، وأما عبد الجبار فقد توقف فجأة عن غرابته، وجرّ -بعد رحيل زبونه- عقارب ساعة المحل إلى الرابعة بعينيه، وعاد إلى منزله وهو يشاهد بائعة اللحوح الخائبة والفقراء الذين ينافسون المطاعم على الخضروات الفاسدة.

وحين وصل عبد الجبار إلى المنزل، فإنه شغل الماطور، واتجه يبحث عن زوجته التي انتظرت منه أمرا حائرا، وسمعته يقول: أريد أن أغلق المجزرة..

ولم تكن هذه الكلمات لتصدم مريم التي تعرفها كما تعرف لحية زوجها المتفرقة على خديه، إذ لطالما أراد عبد الجبار أن يكون موظفاً، لم يكن يهمه أين، لكنه لطالما أراد أن يكون موظفا، بل إنه أخبرها سابقاً أنه لو كان موظفا لما تزوجها هي، ولكانت له في تلك اللحظة زوجتان وخمسة أبناء، عوضا عن ابنيه الذين توفيا طفلين والثالث النائم في بطن والدته، وقد شكلت هذه الأفكار قلقا دائماً لمريم التي تمنت لو يبقى زوجها جزارا إلى الأبد، جزارا غنيا ربما، أو على الأقل أفضل حالا، لكن جزارا لا أكثر، والواقع أنها تدرك تماماً أن عبد الجبار يعني بالزوجتين عشيقتيه السابقتين التي رفض والداهما تزويجه منهما، فالجزار جبار (كما يُعرف في الحي) لم يكن يحب أن يتزوج إلا ابنة عمه المزين (مريم)

ولكنها رأت في عيني زوجها إذ قال كلماته الأخيرة شعلة ما تعرفها جيداً، شعلة أثارت قلقها أكثر من ذي قبل، وقد كان عبد الجبار يدرك أن باستطاعة زوجته أن ترى تلك الشعلة، فهي تحبه في النهاية، تحبه أكثر مما أحبها يوما.

ولهذا فقد جلس أمام التلفاز، وزّع أغصان القات على كلمات الجريدة، ووضع طعامه على الشال، وبقي يحدق في ارتباكه، كان قلبه ينبض بسرعة، عيناه تلتفتان إلى الساعة كل ثانيتين، ولسانه يرتل محادثات لم يدخلها يوما، كانت تلك التي انتظرت الزبون في الرصيف المقابل تشبه عشيقته الأولى، لم تكن هي، هو يعرف ملامحها جيداً، ولكنها كانت نسخة ملائكية منها، أصابعه تقفز على الندوب التي خلفها عمله عليها، ذكرياته تقول له أنه كان يجب أن يكون موظفا، أن يرتدي قميصا أبيضا ويحمل حقيبة سوداء تناسب وجهه الحليق ويلقي تحية بأسنان سوداء من أثر السجائر وهو يؤكد مرارا على الجزارين أن يختاروا أجود ما في الفخذ من لحم، كان كل هذا مثاليا، مثالياً أكثر من اللازم.

إن فكرة واحدة هي التي قد تسيطر على عبد الجبار في اللحظة الواحدة، هو ليس رجلا معقدا بالمرة، إلا أنه الآن كان يحمل فكرتين، إن لم يكن يحمل ماضيه كله، لقد كان صادقا جدا حين أخبر زوجته أنه يحبها، ولكنه كان صادقا أكثر حين قال لعشيقتين قبلها أنه يحبهما، كان صادقا حد أن يعشق كل امرأة تذكره بهما.

يعود عبد الجبار إلى منزله عبر السوق ذاته، لا يراقب بائعة اللحوح، لا يفكر في المنافسة على الخضروات الفاسدة، يعود وهو يحمل حقيبة سوداء ويرتدي قميصا أبيض، أخبره العامل الشاب أنه كان أكثر هيبة بالهيئة الجديدة، وأنه ظن للحظة أنه كان زبونا جديدا، وينفض عبد الجبار سيجارته على حذائه الجلدي وهو يقول للعامل: لطالما أخبرت زوجتي أنني أصلح أن أكون موظفاً..

لا شيء يملأ يوم عبد الجبار اليوم سوى الانتظار، يأتي الزبون الذي يجلب آمالاً باهتة معه كل جمعة ليأخذ حصته من اللحم الجيد، وتنتظر هي في الخارج، لم يعد عبد الجبار يكلف نفسه التلطخ بالدماء يوم الجمعة، يتمنى العامل لو تعود إشاعة الدجاج الذي يبيض أحجارا كريمة ليخف الضغط عليه، ويتساءل عما إن كان الرجل الذي يدخن كطفل وينظر إلى البعيد هو ذاته الذي يعمل لديه، كان عبد الجبار يتأمل الرصيف المقابل ويحكم ربطة عنقه ويسوي شاربه، وكان عامله ينظر إلى الرصيف ذاته، إلى الجدار، وإلى الطفلة التي تحدق في عبد الجبار، ويتمنى لو يفهم أي سر هو ذاك الذي يشتعل في قلب الجزار الموظف…

اترك رد

SON HABERLER