Yeniyemen
yemenden her şey

كيف تُعرف بالقضية اليمنية في خمس دقائق؟!

يني يمن - فيصل علي

26

“الدبلوماسية في زمن الحرب مسؤولية الجميع دون استثناء”.. وليام سترانج

أثارت صورة وزير الخارجية خالد اليماني بجوار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في منتصف هذا الشهر في مؤتمر وارسو لغطاً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي، و هذا شيء طبيعي بسبب عدم وجود علاقات بين البلدين لأسباب يطول شرحها، لم تثرني الصورة فقد وُضع اليماني فيها بحسب تقديري لإثبات أن اليمن صارت تابعة لأصحاب صفقة القرن، و أنهم قادرون على وضع موقف اليمن حيث يريدون.

من جهة أخرى أثارتني عبارات علق بها من يعتقدون أنهم أصحاب اليمن وحدهم بحسب الجينات حيث يرون أن العلاقات بين البلدين طبيعية جداً و أن عدم وجودها لا معنى له، فيما رأى أصحاب نظرية الولاية و الحق الإلهي و الوصاية – المأخوذة نصاً من التوراة ولا يوجد ما يؤيدها في التراث و الفكر الإسلامي – أن هذا دليل على صحة الشعارات المستوردة من إيران “الموت لإسرائيل و اللعنة على اليهود” و هي شعارات للاستهلاك المحلي لا أكثر، فبفضل الهاشمية السياسية العنصرية تم ترحيل اليهود اليمنيين إلى إسرائيل عام 1948 في صفقة مع الكهنوت و الإمامة الحاكمة آنذاك، و في 2016 تم ترحيل اليهود من صنعاء إلى إسرائيل مع وثائق أثرية تعود لما قبل ألفي عام.

هذه الأدلة كافية لدحض الشعارات الحوثية الكاذبة ، و التأكيد على أن مظاهراتهم في صنعاء ضد التطبيع مع إسرائيل لا معنى لها، لكن يبدو أنهم تواقون لفعل ذلك بأنفسهم و وفقاً لمصالح إيران، و يخشون من أن تسبقهم الشرعية و جماعة صفقة القرن.

ما أريد التأكيد عليه هنا هو ظهور الجدل السطحي مرة أخرى إلى السطح في الشارع اليمني، فبعد ثورة 11 فبراير و ذكراها الثامنة و مدنيتها و هدفها في التحول من سلطة الفرد و القبيلة و العائلة و المركز إلى دولة مدنية فيدرالية كما نصت مخرجات الحوار على هذه الأخيرة، إلا أن النقاش كان حول أيهما أفضل إسرائيل أم إيران؟

أعترف أمامكم جمهوري العزيز أنه كلما قل الوعي أصبت بقلق و إحباط شديد، كيف انحدر تفكير شبابنا بهذا الشكل المخل؟ فلا إسرائيل أو إيران يمثلان نموذجاً يُحتذى به، فكليهما يمثلان دولة التطرف الديني كواجهة بينما الباطن هو التطرف القومي بمعناه العرقي، و هذه الصفات لا علاقة لها بالدولة المدنية التي ننشدها من قريب أو من بعيد، الدولة المدنية هي أقرب إلى الإنسانية و دولة المواطنة و الحقوق و الحريات، بينما النماذج التي دار حولها النقاش فهي دون مستوى الإنسانية و خطورتها على البشرية تزداد مع كل العمليات الإرهابية التي تمارسانها داخل حدودهما أو في الشرق الأوسط، فلا إسرائيل أقرب ولا إيران أقرب لنا، و اليمن لن تكون عنصرية دينية بمعناها الطائفي المذهبي و العرقي السلالي النقي كما يزعمون، ولن تكون قومية بمعناها العرقي الأثني المتطرف القائم على خرافة الجينات التي ينسفها العلم، فهذه المفاهيم المتخلفة عافها الزمن و لا يمكن أن توجد إلا في أحلام العنصريين وحدهم، و اليمن كما أزعم أنا لن تكون عنصرية، فلم تكن يوماً ذات طابع عنصري لا عبر تاريخها الموغل في القدم، و لا في تاريخها المعاصر.

و لا يعنينا بالطبع كيمنيين – أو ك”يمنيون” كما نحب أن نسمي أنفسنا – فترات الحكم الهادوي ذو الطابع العنصري، و هي فترات متقطعة تم مقاومتها في مختلف المراحل منذ وجود الرسي القادم من العراق العجمي -لا العراق العربي- مدعياً الثيوقراطية و نظرية الحق الإلهي و النسب الفاطمي.

تعاني خارجية هادي من أزمة حقيقة و ما اليماني إلا دليل واضح على عدم الرؤية فبعد أن قدم المايك لنتنياهو عاد ليبرر للجمهور أن ترتيب الجلوس كان بهذه الطريقة، و أستحى أن يقول أن “المخرج عاوز كده”.

فمنذ عاصفة الحزم طالبنا و كتبنا و أسررنا و أعلنا أن التعريف بالقضية اليمنية مهمة وزارة الخارجية و سفارات اليمن بالدرجة الأساس، و دعونا الحكومة في عهد وزير الخارجية المخلافي إلى أن تتحول كلها إلى خارجية – تكثف الجهود في الخارج للتعريف بالقضية اليمنية – و انتقدنا بما نراه يخدم البلد و القضية معاً، و سواء أستجابوا أو لا فهذه مسألة خارج إرادتنا، و ما على الرسول إلا البلاغ و هو رسول السماء.

في 2015 و 2016 كان يجب أن تتركز مهمة الخارجية على شرح طبيعة الصراع في اليمن، و أن توضح أن الحرب ليست بين اليمن و السعودية، كل مقترحاتنا نحن و غيرنا – و هم أكثر إدراكاً و فهماً منا – ذهبت أدراج الرياح، و في نهاية 2018 كان يحدثني صديق من أهل الشرعية عن ضرورة إيضاح الصورة للعالم و طلب مني مقترحات تسهم في إزالة هذا اللبس، و القول أن السعودية لا تحارب اليمن، أخبرته أن ما كان يجب فعله في 2015 لم يعد صالحاً في 2018 و ما بعدها، كل شيء تغير، و هناك دلائل و اضحة كان يمكن تجاوزها في بداية العاصفة لكنه يصعب الأن، فتدخلات التحالف زادت عن حدها من عدن إلى حضرموت و شبوة و سقطرى و باب المندب و المخا و الحديدة، فإن كانت الشرعية بأحزابها العتيقة مرغمة فلسنا نحن مرغمين على السكوت عن كل ما يمس السيادة اليمنية، و لا ينبغي للخلافات الخليجية الخليجية أن تغير قناعاتنا بفصل ما هو خليجي عما هو يمني.

يتحدث البعض بدون وعي عن الشراكة بين التحالف و اليمن مؤكدين على ضرورة هذه الشراكة، و نحن لا نقبل شراكة أحد فيما يتعلق باليمن أرضها و سمائها و ماءها و سكانها فاليمن لليمنيين وحدهم، فمفهوم الشراكة المطاط لا يتناسب مع أفكارنا في “يمنيون” و لا مع أفكار الكثير من النخب و لن يتوافق مع شعبنا بتاتاً.

بعد انتصار الثورة الطائفية في إيران سنة 1979 حلت اللعنة بخارجيتها، فقد تم تقديم الخطباء و الملالي على الدبلوماسيين، و تحول وعاظ قم و أصحاب اللطميات و الردح الديني على الطريقة الخمينية إلى سفراء، و جاء القرويون إلى السفارات و صاروا دبلوماسيون، و أزيح عن المشهد رجالات الخارجية السابقين، و في اليمن نفس الشيء تم في خارجية هادي ففي عهد المخلافي تم تقاسم السفارات بإسم مخرجات الحوار مناصفة بين الشمال و الجنوب، مع أني أشك في المناصفة و أرفضها شكلاً و مضموناً، لأنها مجرد مناطقية على حساب الكوادر المؤهلة، و أتت هذه المناصفة “بالمتوردين” من خارج السلك الدبلوماسي، و صار الخطباء سفراء، و بعد أن ازعجونا بالتخويف من النار و من الشجاع الأقرع في منابر الجمعة، صاروا يعظون خلق الله و بالإنجليزي كمان. فقد تلا فضيلة سفير هادي في ماليزيا أمام الملأ في مؤتمر مصغر للتضامن مع مأساة اليمن أُقيم في ماليزيا يوم 23 فبراير الحالي قوله تعالي: “و إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ” صدق الله العظيم، و على العالم اليوم أن يتحقق من الفئة الباغية في اليمن و بالله التوفيق.

و هذا مجرد مثال على أن الدبلوماسية مازالت بعيدة عن القضية برمتها، فبعد أن ظننا أننا قد تجاوزنا نقطة الاستدلال بالقرآن فى الشأن السياسي ، بإعتباره استخدام غير لائق للقرآن في الصراع السياسي ، و تحويل الصراع من سياسي إلى ديني، نكتشف أن خارجية هادي تستخدمه لتبرير الحرب الدائرة في اليمن، و تُعيدنا إلى نقطة الصفر.

سفير هادي في ماليزيا هو صديق عزيز تعرفتُ عليه منذ قدومه، فهو رجل مهذب و محترم و لبق و يكتب الشعر على طريقة النظم بدون صور شعرية، و لغوياً يتصف شعره بالدقة و خال من الأخطاء و الروح معاً، وهذا مكسب للخارجية أن يكون السفير أديباً و شاعراً و طيباً و طبيباً أيضاً، و حين صعد لإلقاء مداخلة في مؤتمر التضامن مع اليمن حددها المنظمون بخمس دقائق فقط بعد مراجعات مُضنية استمرت ثلاثة أسابيع قبل بدء المؤتمر، قال كلاماً جيداً وقف له شعر رأسي و صفقت بكل ما أوتيت من قوة، لقد حاز السفير على إعجابي و أنا الذي لا يعجبني أحد إلا أنه فعل، كان يخاطبني أنا هكذا أحسست، و من سياق المؤتمر الإنساني السياسي في آن، كان سفيرنا يغرد خارج السرب و بدا غريباً و حيداً و بحسب وصف أحد أتباعه هنا في ماليزيا وصفه يومها “باليمني الوحيد “و وصفه أحد أتباعه بالقعقاع و هي أوصاف جيدة و لائقة بفضيلة السفير الخطيب الشاعر المنفعل الغاضب، بدأت أعمال المؤتمر في التاسعة صباحاً و أنتهت في الثانية ظهراً، المؤتمر بشقيه الإنساني و السياسي أعلنت فيه ماليزيا سياستها الجديدة على لسان وزير خارجيتها الذي ألقى خطاب رئيس الوزراء الدكتور مهاتير محمد بالإنابة، و قال أن بلاده ليست مع أحد ولا ضد أحد، محملاً السعودية تفاقم الوضع الإنساني في اليمن، حمل الخطاب رسائل واضحة للسعودية و التحالف، فماليزيا ضد الحرب.

يعتقد سماحة السفير باحميد هو و كثير من اليمنيين في الداخل و الخارج أن اليمني هو الوحيد الذي يفهم القضية اليمنية و حقيقة الصراع في اليمن و لذا صب غضبه على عدم فهم الفيلسوف شاندرا مظفر و من معه في المؤتمر للقضية اليمنية، و هذا اندفاع عاطفي محض، تجد سعادته قد ارتفع صوته أكثر من اللازم و غضب كما يغضب رجل الشارع متناسياً العُرف الدبلوماسي في فن التفاوض أو إيصال الرسائل، و أعتقد أن ما فعله شيء طيب، فلنعذره فهو حامل ختم البعثة الدبلوماسية و سنلتمس له سبعين عذراً أو مائة لا مشكلة، لكن دفاعه عن السعودية لم يكن متوافقاً مع العُرف الدبلوماسي، و لا هي مهمته التي جاء من أجلها ألا و هي رعاية مصالح اليمن و تطوير العلاقة بين اليمن و ماليزيا و رعاية مصالح الجالية اليمنية في ماليزيا، تستطيع المملكة العربية السعودية الدفاع عن نفسها فلديها تمثيل و حضور مميز، لكن سفيرها بحكم فهمه للمؤتمر فقد غاب تحاشياً للحرج، فالمؤتمر موجه ضد بلده، و كان الأحرى بسفير بلدنا أن يغيب و يرسل أتباعه و فريقه المساند من خارج حدود السفارة ليوصلوا رسالته عبر المداخلات المفتوحة و المتاحة للجميع، و يستطيع بعدها أن يحمل رسالة من خارجيته للخارجية الماليزية يشرح بها وجهة نظر بلده، لكنه عرض نفسه للحرج وعرض معه 17 ألف مواطن يمني للخطر، هم نازحون من الحرب و مقدمي لجوء و طلاب و حاصلون على فيز خاصة ، كانت الحكومة السابقة قد منحتها مجاملة لرجل الأعمال اليمني الماليزي فؤاد هائل سعيد، و لم تستطع خارجية هادي للأسف أن تحولها منذ 2015 إلى اليوم من منحة خاصة إلى بروتوكول رسمي بين خارجيتي البلدين.

لكل مقام مقال، و مداخلة سفيرنا حفظه الله و رعاه كانت صحيحة فصيحة إذا حذفنا منها الدفاع عن السعودية، لكنها لم تكن في مكانها و لا في وقتها الصحيح. 
“وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ** مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى” كما قال الشاعر.

كما أن الحديث حول إنقاذ فضيلة السفير لفخامة الرئيس هادي من موت محقق و كمين مرصود في حضرموت 2015 لم يكن له من داع، نحن اليوم في العام 2019 و الرئيس حفظه الله بخير و عافية و لا داعي للبطولات أمام مؤتمر للبحث في إنسانية القضية اليمنية وفي كونها قضية سياسية، حتى أن روايات الرئيس لطريقة هروبه لا تهتم بهذه الجزئية التي ربما قد تكون هشة و قد لا تعجب فخامته، إذن لنترك له وحده رواية ما حدث لفخامته فهو حي يرزق.

إن إطالة زمن الحرب و تدخل التحالف فيما يفترض أن يكون عمل الشرعية و الحكومة في المناطق المحررة يجعل القضية اليوم تختلف عنها في بداية العاصفة، هناك تداخل للمصالح الدولية في اليمن بسبب موقعها الجغرافي و مضيقها و موانئها الواقعة على طريق الحرير، و بريطانيا تريد أن تقول للصين شيئاً في اليمن، و ليس المهم أن يكون هذا الشيء على حساب اليمن و أمنه و استقراره و وحدة و سلامة أراضيه، التدخل السعودي في المهرة و الإماراتي في عدن و المخا و الحديدة و سقطرى و ميون و الصمت أو الرضا الأمريكي حيال ذلك … كلها مدخلات مستجدة في القضية اليمنية، لذا لا داعي للحديث عن احتكار الفهم و النظر من منظور واحد قد لا يكون واقعياً.

إن الاهتمام العالمي باليمن قد يُستفاد منه للخروج من المحنة و الحرب و تحقيق السلام إذا كان هناك من قيادة و عقل يمني ينتهز الفرص، لقد كثرت الدراسات حول اليمن و حربها، و لا تستطيع خارجية بلا برنامج أو سفارة تنتهز الفرص لجباية المواطنين بسندات تصدرها من الطابعة مباشرة للمستهلك.. أن تجعل الدراسات و الأبحاث و المقالات و الآراء الحرة في الحديث عن مأساة اليمن، و لا عن أسباب الانقلاب و داعمي الثورات المضادة له و تحريضهم للحوثي على الاستيلاء على صنعاء بل و مولته دول إقليمية، ثم جاءت لحربه دون السماح بالقضاء عليه، فعلاقة السعودية بالهاشمية السياسية تمتد لأربعينيات القرن الماضي، فقد دعمتهم ضد الثورة اليمنية و ضد الجمهورية، و ليس مستبعداً أن تدعمهم مستقبلاً.

إن الصوت الواحد لا يفيد اليمن و لا يفيد قضيتها و لن يساعد في استعادة الدولة و لا في إحلال السلام فيها، ومن يحتكرون الفهم ليسوا سوى عاطفيين لا غير، و كما يقول درويش “أحبك يا لعنة العاطفة” فالخطاب العاطفي يستهوي البسطاء جداً، فهو يمثل لهم انتصارات وهمية كاذبة مخادعة للحظة تنتهي بهم كمغفلين، و لذا فتفعيل خطاب العقل هو السبيل للخروج من الورطة.

يقول أستاذنا البروفسيور عبد الرزاق الدليمي في كتابة نظريات الاتصال في القرن الحادي و العشرين في شرحه لنظرية المعالجة المعلوماتية: (و الفكرة الرئيسية لهذه النظرية تقوم على الفرضية التي تقول إن الأشخاص لديهم وجهات نظر منمطة ومترسبة حول بعض الأفكار أو الأشخاص أو الأحداث التي تقع حولهم، و هذه الصور الذهنية المترسبة في العقل و الذهن تساعد على تفسير ما يدور في محيط الشخص و بيئته .. و بالتالي فإن الأفكار المترسبة في الذاكرة تؤثر على الشخص، بحيث يتجاهل الأفكار التي تتعارض معه و يركز على الأفكار التي تعزز أفكاره). و هذا التعارض مع ما يقوله و يفهمه الآخرين حول القضية اليمنية يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار، لا أن يتم النفور منه و اعتباره عدائياً.

إنني هنا أقول ما يجب عليَّ قوله، و لست معنياً البتة بمن أتفق أو رفض أو حنق أو غضب فأنا لست سياسياً أمتهن البيع بحسب الطلب و أقول ما يعجب البعض أو يثير غضب البعض، و ليست لديَّ مصالح شخصية أو خاصة كما يحلو للبعض الكذب بخصوص ذلك ، إن مصالح اليمن مع الشعوب الملاوية القاطنة في اندونيسيا و ماليزيا و سنغافورة و بروناي ممتدة في التاريخ و لها جذور عريقة و أصيلة و هناك تاريخ مشترك مع دول جنوب شرق آسيا باعتبار اليمن دولة بحرية مارست دورها البحري منذ ما يزيد عن أربعة ألف سنة، كما أن الحديث بفخر عن نشر اليمنيين للإسلام في هذه المنطقة لم يعد مقبولاً في كثير من الأوساط، و لذا لم يكن جديرا بسفيرنا أن يفخر بذلك أمام إخواننا الماليزيين في المؤتمر السابق ذكره، فهذه المعلومة غير محققة و هي محل شك فدخول الإسلام في هذه المنطقة بالإضافة إلى الهند والصين يعود إلى ما بين عامي 23 و 40 هجرية، و إن كان هناك من قادم من اليمن عبر سواحلها الشرقية فهي النسخة اليمنية من المذهب الشافعي و بعض طرق أهل اليمن في التصوف لا أكثر، و ليس الفتى من قال كان أبي ..

إن فهم اليمن و قضيتها و خارطتها دون النظر إليها بنظرة عالمية واسعة يقزم هذه القضية و يجعلها أما قضية مذهبية شيعية سنية أو قضية عرقية قحطانية و قرشية، وهذا تسطيح لها لا أكثر، فبعد الجمهورية لا مذهبية و بعد يمنية الدولة لا عصبوية و لا قبلية و إنما دولة ترمز للسلام و تسهم في صناعته عالمياً، من يريدون تجزئة اليمن حسب عقولهم و مشاريعهم الصغيرة القروية و المناطقية و المذهبية و العرقية سيخسرون، و العالم لن يكون إلا مع يمن السلام و السلم و التجارة و الحضارة و هذا ما نؤمن به و عنه لن نحيد.

نصف الحقيقة عدم، و نصف الصورة عمى، و نصف الموقف مجرد بيع و شراء، و الانتصارات الوهمية لها جمهور عريض من المغفلين. و الإستمالات العاطفية ليست سوى للاستهلاك المحلي، على طريقة بيع الحوثيين للشعارات لا أكثر، و هكذا بمداخلته العاطفية قال السفير كلاماً عاطفياً للشعب اليمني الذي تسكنه لعنة العاطفة، كان الهدف من المداخلة إيصال رسالة للجمهور اليمني لا إيصال رسالة للجمهور الماليزي، لم يهتم بها أحد في القاعة ولا خارجها ولم يتناولها الإعلام الماليزي و لم يقلب سفيرنا الطاولة كما زعم اتباعه القُصر و لم “يقلع ضروسهم” كما يدعوّن، و كل الخوف أن تؤثر المداخلة على العلاقات المميزة بين البلدين، نتمنى أن لا يكون لها هذا التأثير السلبي، لكنه تم تسويقها للاستهلاك المحلي عبر مواقع هشة وبدا أن الهدف منها إعلامياً لا دبلوماسياً، أُعجب بها الرأي العام اليمني مع أنها مبتور من سياقها كبتر آية: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) عن سياقها الأصلي.

لقد ضرب السفير الحائط بقضية الطبيب اليمني عبد الحكيم المجاهد الذي قال بمداخلته و التي نطقها بالعربي “أنا طبيب يمني فقدت الهوية و الوطن و مقدم لجوء في مكتب اللاجئين التابع للأمم المتحدة في ماليزيا منذ ثمان سنوات و هذه بطاقتي و أنا بدون عمل، و أنتم قلتم أنكم ستفتحون الباب ” لم يسمع السفير هذا الصوت و ذهب يلمع نفسه عند الجمهور اليمني ذو الميول العاطفية و مازال معجب بالخطب السطحية، و بالتأكيد هذه الخطبة قد أعجبت سفارتي السعودية و الإمارات هنا في ماليزيا، فلكل خطاب عاطفي معجبين. و ربنا يلطف بالجالية و بشعبنا.

تستطيع خارجية هادي أن تجتاز بعض الصعاب في هذه المرحلة الحرجة من هذا العصر “الشعوبي المجوسي السعودي الإماراتي الجبان” بالترافع عن القضية اليمنية بعيداً عن تحسين صورة السعودية التي يصعب عليها تحسينها، و المجال مفتوح للّعب بإحترافية فلليمن قضيتها التي تحدثت عنها القرارات الدولية بعيداً عن ربطها بجوار حمار المدبر أو كما ينص المثال اليمني (لا تربط حمارك بجوار حمار المدبر يدبرك معه).

ملاحظة/يظن البعض أن ماليزيا قد انتصرت للحوثيين في هذا المؤتمر و هذا مجرد هراء و وهم، يتخيله البعض هنا و هناك، قد تقدم ماليزيا نفسها كدولة راعية للسلام لكنها لن تكون مع هذا الطرف أو ذاك، بحسب إعلان سياستها الجديدة في خطاب مهاتير الذي كان المؤتمر مستنداً عليه، من يبيعون الوهم يعتقدون أن الحوثيين لديهم صلات ببعض الأسر الماليزية ذات نفس النسب، و هذه مجرد فرضية لو سلمنا بها لماذا لا تقوم السفارة بالمثل فالوجود الحضرمي يفوق ما يتخيلونه عن الطرف الأخر بكثير، مع أني لست مع مثل هذا الطرح ولكنه مجرد رد على المتوهمين.

من صفحة الكاتب على فيسبوك

اترك رد

SON HABERLER