Yeniyemen
yemenden her şey

رحلة العودة من إسطنبول الى صنعاء

يني يمن – المعتصم القاضي

223

في الصيف الماضي وبعد انتهاء السنة الدراسية، قررت العودة الى اليمن بعد غياب استمر لأربع سنوات، ما ان انتهت الامتحانات حتى بدأت التحضير للسفر. قبل الحرب كانت رحلة الطيران بين اسطنبول وصنعاء تستغرق حوالي خمس ساعات، أما اليوم فالأمر مختلف، لا يوجد رحلات طيران مباشرة الى اليمن إلا من ثلاث دول فقط هي مصر، والأردن، والسودان. سيكون من الضروري أن أسافر أولاً الى إحدى هذه الدول الثلاث، حيث تتواجد رحلات طيران قليلة تصل الى حد الندرة في أحيان كثيرة، تتطلب هذه الرحلات حجزا مبكرا، كما أنها لا تصل إلا الى مطارين وحيدين في جنوب اليمن، هما مطاري عدن وسيئون، إذا لم تكن من سكان إحدى المدينتين سيكون عليك إكمال الطريق براً.

لأسباب عديدة كانت السودان الخيار الأفضل بالنسبة لي، في اليوم الأول ذهبت إلى القنصلية السودانية في اسطنبول، قدمت طلبا للحصول على فيزا للعبور عبر السودان، بعد يومين حصلت على الفيزا، وخلال أسبوع واحد كنت قد أتممت إجراءات السفر وحجوزات الطيران.

  استغرقت رحلتي من اسطنبول إلى صنعاء سبعة أيام بدأت من مطار صبيحة في اسطنبول، مرورا بالخرطوم في السودان التي كان من المفترض أن أمكث بها يوما واحدا فقط قبل رحلتنا الى عدن في اليوم التالي لوصولنا الى الخرطوم، لكن اليوم صار الى يومين واليومين الى أربعة، والسبب كما عرفنا من شركة الطيران، عدم منح التحالف الذي يسيطر على أجواء اليمن شركة الطيران الإذن بالسفر إلى عدن. بعد أربعة أيام من الانتظار والتأجيل غير المبرر، حصلنا أخيراً على إذن السفر كما أخبرتنا شركة الطيران، وصلنا إلى عدن ظهراً، وبعد أن بتّ الليلة في عدن مع مجموعة من الأصدقاء الذين التقيتهم صدفة في الخرطوم، توجهنا صباحاً إلى صنعاء. استغرق الطريق إلى صنعاء خمس عشرة ساعة، كانت مليئة بالتوقف و التفتيش عند النقاط الأمنية التي تقيمها الأطراف المتحاربة في اليمن، فمن عدن حيث تستطيع أن تشاهد أعلام دولة الجنوب قبل الوحدة في تسعينات القرن الماضي، والتي تتميز عن العلم اليمني المعروف بالنجمة والمثلث ذو اللون الأزرق، والى جانبها أعلام دولة الإمارات في معظم الأحيان، مروراً  بمناطق الشرعية في وسط البلاد حيث ترفرف أعلام اليمن المعروفة، إلى أن تصل إلى المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث لا يكاد يخلو جدار واحد من شعاراتهم في الأماكن التي يسيطرون عليها.

في جميع الحواجز الأمنية (النقاط الأمنية) تكاد تكون جميع الأسئلة متشابهة.. من أين جئت؟ لماذا جئت؟ لماذا غادرت البلاد أصلا؟ هل تعمل لمصلحة كذا؟ أعطني بطاقة هويتك أو جواز سفرك … يتفحصها قليلاً.. ينظر إليك نظرة ارتياب، يعاود النظر إلى جوازك مرة أخرى، يعطيك الجواز ثم يتجاوزك إلى الذي يليك. ينال الشباب النصيب الأكبر من الأسئلة لأنهم المرشح الأكبر ليكونوا مقاتلين لدى الأطراف الأخرى، يحظى البعض بأسئلة أكثر من غيره، وقد يصل الأمر أحيانا إلى إنزال المسافرين من الباص للتحقيق معهم، كما حدث للبعض في رحلة العودة إلى عدن. بعض النقاط لا تحقق مع النساء وكبار السن والبعض الآخر يحقق مع الجميع خصوصاً في المناطق الجنوبية.

بعد مرور ما يقارب الخمس عشرة ساعة كنا قد وصلنا مشارف صنعاء، دخلنا المدينة حوالي الساعة التاسعة والنصف ليلاً، كانت صنعاء غارقة في الظلام، مصابيح الشوارع لا تعمل، الإضاءة باهتة في المحال التجارية، كما أنك تستطيع سماع أصوات مولدات الكهرباء في معظم المحال التجارية. منذ اللحظة الأولى لدخولنا صنعاء كان من السهل ملاحظة أن المدينة تعج بالنقاط الأمنية التابعة للحوثيين أو أنصار الله كما يطلقون على أنفسهم.

يكفي أن تقضي بضعة أيام هنا لتدرك حجم المعاناة التي يعيشها الناس. سُئلْتُ كثيراً عن الفرق في المعيشة بين صنعاء واسطنبول، كنت أجيب في معظم الأحيان بأن هناك الكثير من الاختلافات، لكنني ولسبب ما لم أكن أرغب في تفصيل ماهيّة تلك الاختلافات، ربما لأن الإجابة لم تكن لتجعل الوضع أفضل. عند التفكير في السؤال، يبدو لي الأمر وكأني قد انتقلت بين عصرين مختلفين، لا وجود هنا للخدمات الأساسية التي صار وجودها في العالم طبيعياً ومن بديهيات الحياة. الكهرباء على سبيل المثال، قد انقطعت نهائياً منذ أكثر من أربع سنوات، من يقوى على تحمّل التكاليف من السكان؛ قام بشراء ألواح الطاقة الشمسية، قد يبدو مصطلح الطاقة الشمسية رناناً عند سماعه، لكن الحقيقة أن هذه المنظومة التي يستخدمها كثير من الناس، لا تولّد إلا تياراً كهربائياً ضعيفاً، غير قادر على تشغيل الكثير من الأجهزة التي تحتاج إلى فولتات كهربائية عالية نسبياً، كل ما في الأمر أنك ستحصل على تيار لتشغيل شاشة التلفاز، وإضاءة باهتة للمنزل، البعض قد يشتري بضع ألواح إضافية، وإن كانت أشعة الشمس قويةً كفاية ستحصل على تيار لتشغيل بعض الأدوات الكهربائية التي تتطلب تياراً  قوياً نسبياً  كالثلاجة (البراد) مثلا. أنا هنا أتحدث عن أولئك الذين يمتلكون المال-وقليل ما هم- أما غالبية الناس فشراء لوح واحد قد يمثل تحدياً بحد ذاته.

 الماء غير متوفر إلا عن طريق شرائه من أصحاب الوايتات، والوايتات شاحنات خاصة تقوم ببيع الماء للناس في حاويات تشبه حاويات شاحنات نقل الوقود. الغاز غير متوفر أيضاً، وإن توفر كان بسعر غال جداً وكميات محدودة، أما طريقة الحصول عليه فتلك حكاية أخرى، طبعاً أنت لا تذهب إلى محل بيع الغاز وتحصل عليه مقابل مبلغ من المال، ليس الأمر بهذه السهولة، سيكون عليك أن تقف في طوابير طويلة لعدة ساعات، قد تصل إلى أيام أحياناً، ومع ذلك تظلّ احتمالية ألا تحصل على شيء قائمة، حتى مع كل هذا الانتظار.

تبدو طوابير السيارات أمام محطات الوقود مثل أسراب النمل في طولها وانتشارها الذي يصل الى مئات الأمتار، مع فارق أن أسراب السيارات هذه لا تتحرك إلا ببطء شديد لا يكاد يكون ملحوظا، وكما هي العادة ينتهي الأمر بالكثيرين دون الحصول على شيء سوى ضياع الوقت واحتراق الأعصاب. أتذكر أنه في الأسبوع الأخير لي في صنعاء، كادت شوارع المدينة تخلو من السيارات بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار البنزين والديزل.

الأمراض تفشت بين الناس بكثرة -خصوصاً في الأماكن الريفية- حتى تلك الأمراض التي كان من المفترض أنها انقرضت مثل الكوليرا، يبدو أنها بعثت من جديد هنا. ذهبت مع أسرتي لزيارة قريتي التي غادرتها عائلتي منذ فترة للعيش في العاصمة صنعاء، قررنا قضاء أيام عيد الأضحى في القرية وزيارة الأقارب. علمت من الناس أن هنالك من سكان القرية من توفي بسبب الإصابة بالكوليرا، وأن المرض لا يزال ينتشر بين الناس. عندما وصلت إلى القرية، كانت إحدى العيادات هناك قد وفرت وسائل الإسعافات الأولية لمكافحة المرض، وبعض الأدوية التي تحد من خطر الوفاة عند الإصابة. لا يمنحك الكوليرا فرصة للتفكير، عليك الذهاب فوراً الى أقرب مكان تتوافر فيه مضادات المرض، أو تهيأ لتموت خلال ساعات، يبدأ المرض بإسهال وتقيؤ شديدين، بعد ساعتين إلى ثلاث ساعات ستجد نفسك على حافة الهلاك إذا لم تتلق العلاج اللازم.

كانت قريتي لا تزال جميلة كسابق عهدي بها عندما غادرتها منذ ما يزيد عن الأربع سنوات -قبل الحرب-، لكنني لم أَجِد بها معظم أصدقائي، معظم الشباب كانوا قد غادروا البلاد إلى السعودية بمساعدة مهربين، يعبرون الحدود عبر طرق جبلية وعرة جداً في مغامرات خطيرة قد تنتهي بهلاك البعض، بحثاً عن لقمة العيش لهم ولأسرهم، لا مكان للتعليم الجامعي هنا بعد المدرسة إلا ما ندر، أصبحت الجامعة ترفا لا يقدر عليه إلا قليل من الناس، كان من الملاحظ ازدياد أعداد الشباب الذين يعبرون الحدود، خصوصاً بعد انقطاع الرواتب منذ ما يزيد عن سنتين، والتي تمثل مصدر الدخل الرئيسي لمعظم الناس.

تبدو المصائب على كبرها صغيرة عند التفكير في انقطاع الرواتب، حيث تمثل الرواتب شريان الدخل الرئيسي في البلاد، وقطعها لا يختلف كثيرا عن الحكم بالإعدام بالنسبة لكثير من الأسر. رأيت بعيني أساتذة لي اضطرهم شظف العيش بعد أن قطعت مرتباتهم، إلى أن يعملوا بأي شيء ليوفروا الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، حمل الحجارة في أماكن البناء، العمل في الحقول الزراعية، إنزال ونقل مواد البناء، إنزال وتحميل بضاعة المحال التجارية من على الشاحنات، وغيرها من الأعمال الشاقّة، على أن المضحك المبكي اضطرارهم للعمل اليومي في المدارس أيضا رغماً عنهم، تحت تهديد الفصل من وظائفهم، والتي فصلوا منها عملياً، لكنهم لا يزالون يتمسكون بشعاع أمل باهت يتلاشى في كل يوم، عسى أن ترجع الرواتب يوماً.

الإنترنت هنا رديء جداً كما هو حال شبكات الاتصال أيضاً، تهاوى الريال اليمني بشكل جنوني أمام الدولار، وارتفعت معه الأسعار بشكل كبير جدا.

هناك جيل كامل من الأطفال نشأ في ظل الحرب، ولم يعرف من الدنيا غير وجهها الأسود، العديد من المدارس توقفت عن العمل، الجامعات كذلك بين حين وآخر، سنتان مرت على الناس بدون رواتب، قصف جوي للمدن والمدنيين بين حين وآخر، خوف من المستقبل، انعدام للخدمات الأساسية وتردي الخدمات الصحية، قمع للحريات وانعدام لأدنى حقوق الإنسان، وهناك الكثير والكثير من المعاناة التي لا يتسع المجال لذكرها هنا.

بعد أن قضيت ما يزيد عن الشهر، غادرت اليمن وفي عيني دمعة قهر، وقلبي يعتصر ألماً على شعب يعيش إحدى أكبر مآسي العصر الحديث، في ظل تجاهل وصمت عالمي، وإجرام محلي وخارجي، ومليشيات لا تعرف غير السلاح لغة للحوار، وإفلاس سياسي للنخبة السياسية في البلاد، وأطماع من ادعى أنه جاء ليحرر البلاد فاغتصبها، وحكومة شرعية تدعي تحرير أكثر من نصف البلاد بينما يقيم رئيسها خارج البلاد منذ أكثر من أربع سنوات ولا يستطيع مجلس نوابه عقد جلساته داخلها الا بإذن من جاؤوا لتحريرها.

صببت اللعنات على الجميع وغادرت البلاد.

لا يزال الأمل قائماً، والرهان معقوداً على جيل الشباب، هناك ثورة فكرية ونظرية وأخلاقية لدى جيل الشباب، لابد من أن تمكنهم يوما من إزاحة أنقاض الحرب عن صدورهم، والتحرر من تراكماتها، والشروع في بناء وطن يتسع للجميع، وطن يضمن للجميع المشاركة على قدم المساواة في بناء الدولة المدنية التي تعطي الإنسان قيمته وحريته.

اترك رد

SON HABERLER